أضف الموقع لمفضلتك

 
 

 

               


              

 

مختارات :

قسيسة ألمانية تطالب باحترام الحجاب وتنتقد مواقف الكنائس والمجتمع في بلادها منه

  

    أسامة أمين – ألمانيا *

الحجاب والصليب
عندما تسأل الدكتورة بيئاته شتريتر القسيسة البروتستانتية عن عنوان كتابها (الحجاب والصليب – نسوة مسلمات من وجهة نظر بروتستانتية) تقول إنه يتناول الحجاب، ولا يكاد يتطرق للصليب، وهي تعترف في بداية كتابها أنها لا تستطيع أن تتناول هذا الموضوع بصورة موضوعية محايدة، لأنها ترتبط مع الكثيرات من المسلمات بعلاقة صداقة، منذ تركز عملها منذ عامين على الحوار مع المسلمين والمسلمات، واعتبرت أن كونها امرأة لم يكن عائقًا أمام إدارتها الحوار مع المسلمين بل على العكس من ذلك فتح لها ذلك أبوابًا للحوار مع النسوة المسلمات، اللاتي لم يكن ليسمحن لها بالدخول إلى عالمهن، لو لم تكن من جنسهن.
 

لا تتورع شتريتر في الصفحة الثانية من كتابها أن تتساءل عما جرى للكنائس التي باتت تزخر بالأحكام المسبقة ضد الإسلام والمسلمين، وتعيد إلى أذهان القائمين على الكنائس أن مهمتهم الأصلية هي الالتزام بالسلام، والعمل على نشر السلام بين الناس من مختلف الأديان، وتتهم الكنائس بأنها صارت تتجه نحو الانعزال عن الآخر، ووضع العوائق أمام التواصل مع الآخر. وتطالب الكنيسة بالدعوة إلى التعقل وعدم تعميم الأحكام حينما يتعرض الإسلام والمسلمون للإساءة، وأن تعمل على الحفاظ على كرامة الإنسان، أي إنسان بغض النظر عن الدين الذي يؤمن به، وتحذر من عواقب القطيعة بين الجانبين، المسلم والمسيحي، ومن الاكتفاء بالحديث عن الآخر، بدلاً من الحديث معه، والتعرف عليه.

مرادفات سلبية للإسلام في أذهان الغرب

تشير شتريتر في كتابها إلى جملة إحصائيات ووقائع مثيرة للقلق، منها أن 91٪ من الألمان أشاروا إلى أنهم حين يسمعون كلمة (إسلام)، يتبادر إلى ذهنهم ظلم المرأة، ويرتبط الإسلام لدى 83٪ منهم بالتطرف، ويؤيد 56٪ منهم منع بناء المساجد للمسلمين، ويريد 29٪ منهم منع هجرة المسلمين إلى أوروبا، وتشير إلى أن إحدى السيدات الناشطات في مساعدة اللاجئين منذ سنوات طويلة، وهو النشاط الذي تدعمه الكنيسة، أعربت عن «نفورها العميق» من الإسلام عمومًا ومن الحجاب بصورة خاصة، وأن الكثيرين أصبحوا يعلنون بصراحة وبعدوانية رفضهم للسكن بالقرب من أتراك أو عرب، وتستغرب بشدة من تبرير الكثير لهذه المشاعر بأحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وما تبعها من تفجيرات في مدريد ولندن، وتتساءل عن علاقة تلك المخاوف بارتداء المرأة المسلمة للحجاب، وتشير إلى أن وسائل الإعلام الألمانية قد تحولت من الإعراب عن مشكلة الأجانب، أو مشكلة الأتراك، للحديث عن (مشكلة الإسلام)، وأنه كلما كان التحليل معقدًا لمشكلة ما مثل صعوبة التوصل إلى حل لمشكلة تحقيق السلام في الشرق الأوسط، فإن وسائل الإعلام تلجأ إلى تحميل الإسلام مسؤولية الفشل في ذلك، باعتباره «قوة غير عقلانية».

وتسخر القسيسة الألمانية من حديث الكثيرين عن (مشكلة الأتراك)، لسببين هامين، أولهما أن ثلث الأتراك قد حصل على الجنسية الألمانية، وثانيهما أن أكثر من نصفهم إما ولدوا أو ترعرعوا في ألمانيا، وتعتبر أنه شيء عجيب أن يكون الحديث في الدستور الألماني عن الألمان باعتبارهم المنحدرين من أصول ألمانية، الأمر الذي يبرر منح الجنسية للمواطنين الروس من أصول ألمانية، وبالتالي يتضح لماذا يبقى المسلم أجنبيًا في أعين الألمان، حتى ولو كان يحمل جواز السفر الألماني.

لماذا يكرهون الحجاب؟

تعلل شريتر هذا البغض للحجاب بأنه ظل لسنوات طوال قرينًا للمرأة المسلمة التي تعمل في وظائف متواضعة، مثل مجال النظافة أو الطبخ، لكن أن تصبح المسلمة معلمة أو أن تصبح ندًا للمرأة الألمانية، بل أن تصبح متفوقة عليها، فإن ذلك يعد أمرًا غير مقبول لدى الرأي العام الألماني، وكذلك المساجد التي كانت في الأقبية وفي الغرف الخلفية للجراجات والمتاجر، حينما كان المسلمون يعتقدون أنهم في هجرة مؤقتة لجمع المال ثم العودة إلى بلادهم، فلما تبين لهم أنهم باقون في أوطانهم الجديدة، أرادوا أن يشيدوا المساجد في مراكز المدن، وبمئذنة ينطلق منها الأذان للصلاة، فلم يصدق الألمان أعينهم.
 

والحقيقة المثيرة أنه كلما تصاعدت الكراهية من جانب الألمان للمسلمين، فإن المسلمين يصبحون أشد تمسكًا بدينهم، وترتدي الفتيات الحجاب بصورة متزايدة وبأعداد متنامية، ففي حين كانت نسبة المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم «متدينين للغاية» في عام 2000 تبلغ 7.6٪ من مجموع المسلمين في ألمانيا، فإن هذه النسبة ارتفعت إلى أكثر من 28٪ عام 2005م، وزادت نسبة المحجبات من 27٪ عام 2001 إلى 46.6 في عام 2005م.

وتتساءل شتريتر عن مصير الشباب الذي يحمل اسمًا أجنبيًا يبين أنه مسلم، حين يأتيه الرفض تلو الآخر حين يفتش عن مصنع يؤدي فيه التدريب العملي، فلا يجد، أو يبحث عن عمل فيأتيه اعتذار تلو الآخر، ثم يصيبه اليأس والقنوط، فيجد صفحات على الإنترنت تغذِّيه بأفكار أيدولوجية خطيرة.

وتقول شترتير إن الفتيات المسلمات لا يرتدين الحجاب كرمز للإسلام السياسي، بل هو كفاح من أجل الحصول على الاعتراف بهن، وبأحقيتهن في ممارسة حريتهن الدينية، واتَّباع نموذج حياة يختلف عن حياة المجتمع الذي يدين بعقيدة مخالفة لهن.

ولا تستبعد شتريتر أن تكون الضغوط التي يمارسها المجتمع الألماني على المرأة المسلمة، هو الدافع لها للكشف عن هويتها الدينية، وليس أفضل من الحجاب للكشف عن هويتها، وهو الأمر الذي لا تشجع عليه النساء التقدميات والمدافعات عن حقوق المرأة، اللاتي ترفضن أن ينال أحد من حريتهن في اتخاذ القرار الشخصي بارتداء الحجاب من عدم ارتدائه.

وتستنج شتريتر أن جزءًا من (مشكلة الحجاب) تنبع من حاجة مجمع الأغلبية إلى إثبات الذات في مواجهة المتغيرات التي جعلت هذا المجتمع بوتقة للعديد من الثقافات والأديان، وإلى الخوف من تراجع الوضع المادي لأفراد مجتمع الأغلبية، مستنكرة في الوقت ذاته أن يتم معالجة هذه الأعراض المرضية التي يعانيها أفراد مجتمع الغالبية، على حساب الأقلية المسلمة.

الحرية المحظورة

هل يعقل أن تقوم المدافعات عن حقوق المرأة المطالبات بما يعرف باسم «تحرر المرأة، بمنع إعطاء هذه الحقوق للمرأة المسلمة؟ أي أن هناك الكثيرات من المسلمات والمسيحيات، اللاتي يرين أنه لا يجوز ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية الألمانية، وعلى رأسها المدارس العامة، لأن هؤلاء المدافعات عن التحرر يرين في أنفسهن القدرة على فهم الاحتياجات الحقيقية للمرأة المسلمة التي ترتدي الحجاب، وأنها لا ينبغي أن تفعل ذلك، أي إجبارها على عدم ارتداء الحجاب، حتى تستمتع بالحريات التي يفرضونها عليها دون طلب منها، بل ولا حتى موافقتها.

وتتساءل شتريتر باستنكار عن هذا النوع المزعوم من تحرير المرأة، على يد حفنة من النساء اللاتي يرفضن حق المسلمات في الاختلاف عنهن، وهو المبدأ الذي تدعو إليه حركات تحرير المرأة، أم أنه إذا تعلق الأمر بالحجاب فإنه من حق هذه الحفنة أن يفرضن تصوراتهن عن هذا التحرر، ولا يقبلن بأن تقول المرأة المسلمة إن حريتها في اختيارها لارتداء حجابها.

وتتوصل إلى أن ذلك خير دليل على الاضطراب الذي يسود المجتمع الألماني في تعامله مع الدين، والذي بلغ حد اعتبار أن من يمارس شعائر دينه، إنسان شاذ وغريب، بل ومصدر تهديد، وغير عقلاني وغير مستنير.

أما الملاحظة الذكية التي استخلصتها في هذا المضمون، فتحتاج للتأمل كثيرا، ألا وهي أنه ربما كان السبب في انقلاب الكنائس على المسلمين، وميل رواد الكنائس إلى مخاطبة المسلمين بأسلوب المعلم الكبير الذي يخاطب تلميذه، أن الألمان اعتادوا أن يكون المسلمون هم هؤلاء الأشخاص الضعاف الذين يحتاجون للعون والمساعدة، ولكن حين يشتد عضد المسلمين ويصبحون كيانات مستقلة، لا تحتاج إليهم، استنكروا عليهم ذلك.

وتخشى شتريتر من أن يؤدي الوضع المهتز للكنيسة في ظل نظام علماني يسود في كافة نواحي الحياة، إلى عدم قدرة الكنيسة على التسامح والانفتاح على الآخر، وتقبل التعددية الدينية، طالما كانت الكنيسة مفتقدة للثقة في النفس في الوقت الحالي.

الحجاب واحد والوجوه كثيرة

تقص شتريتر بغموض مقصود عن اللقاء الأسبوعي الذي يجمعها بمجموعة من المسلمات، فهناك السيدتان (م.) و(ص.) من أفغانستان اللتان ترتديان حجابًا أسود اللون يغطي الشعر والكتف والصدر، وأسفله معطف واسع فضفاض يغطي كل شيء من ملامح جسديهما، وعندما تغادران الاجتماع تضعان غطاء على وجهيهما، وهناك مسلمة أردنية ترتدي خمارًا، تضرب به على جيبها، وترتدي بنطلونًا طويلاً، وأخرى مسلمة مغربية ترتدي حجابًا وفستانًا طويلاً، ومغربية أخرى ترتدي بلوزة وبنطلونا وغطاء رأس يلتف حول رأسها ورقبتها فقط، بألوان زاهية، وسيدتان تركيتان لا ترتديان الحجاب.

ورغم أن هذه اللقاءات تركز في الأساس على تعلم الطبخ في مختلف البلاد، إلا أنها لا تخلو من نقاشات بين الحاضرات، فالأردنية تسأل الأفغانية عن سبب تغطية وجهها، فتشير الثانية إلى أنها تجتهد في الطاعة، وتستنكر عدم ارتداء التركيتين للحجاب، فترد إحداهن بأنها ترى أن إيمانها في قلبها، وليس فوق شعرها، وتتذكر أن جدتها كانت تغطي شعرها، دون أن يكون لذلك علاقة بالدين أو بالتدين.

وتعلق شتريتر على هذا الحوار، بأنه ينبغي على المجتمع الألماني أن يرى هذه التعددية حتى بين المسلمين في التعامل مع مسألة الحجاب، وتشير إلى أن هناك فروقًا فردية، واختلافات في الخلفية الثقافية والاجتماعية بين المسلمات، ودوافعهن لارتدائه، وبالتالي فإن اتفاق الظاهر، لا يعني اتفاق الجوهر، وتذكر أن هناك مسميات عديدة للحجاب في الدول الإسلامية المختلفة، بل وفي داخل الدولة الواحدة. فهناك الحجاب، والبرقع، والنقاب، والشادور... إلخ، وتعتقد شتريتر أن هذه الأنماط المختلفة من غطاء الرأس ترتبط بالعادات والتقاليد لكل منطقة، أكثر من ارتباطها مباشرة بالدين الإسلامي.

وتنقل للقارئ الألماني ما ورد في القرآن والسنة، للتدليل على وجوب ارتداء الحجاب، وتوضح أن قاعدة عدم إظهار العورات، لا تنطبق على المرأة وحدها، بل يجب على الرجل أيضًا الالتزام بها، وأن قاعدة عدم ارتداء ما يشف أو يصف، تسري على الرجل أيضًا.

وتبدي شتريتر استغرابها بل واستيائها من قيام غير المسلمين في نقاشاتهم مع المسلمين، بالقول بأن الحجاب لم يرد ذكره في القرآن، وتتساءل عمن أعطى غير المسلمين الحق في شرح الإسلام للمسلمين، وكيف سيرد المسيحيون إذا جاءهم مسلم ينبِّههم أن إنجيل بولس يطالب المرأة بتغطية رأسها، ويعتبر غطاء الرأس هو الرمز الواضح للتفريق بين المرأة المسيحية المتدينة، وبين المرأة الوثنية، وماذا سيحدث إذا شرح المسلمون للمسيحيين البروتستانت أن قبولهم بأن تصبح المرأة قسيسة، تخطب في الكنيسة، يخالف ما ورد في إنجيل بولس .

وتقترح شتريتر أن يترك غير المسلمين للمسلمات المحجبات الفرصة للتعبير عن أنفسهن، بالطريقة التي يخترنها، وأن يستمع الآخرون لرأيها في تبرير ارتدائها للحجاب، وكذلك يمكن للمسلمين أن يتيحوا الفرصة لغير المسلمين، ليستمعوا لأسباب النفور من الحجاب.

وتنبه إلى أن عودة الحجاب من جديد للانتشار في كافة أرجاء العالم الإسلامي، خاصة بين جيل الشابات المسلمات، لا يعتبر عودة إلى الماضي، بقدر ما هو اعتزاز بالهوية، وتأكيد على رفض الذوبان في نمط الحياة المعاصرة، وكذلك إلى سعي المسلمات التابعات للأقليات المسلمة في الغرب إلى التأكيد على هذه الهوية، في السر والعلن، لترفع هامتها قائلة: «أنا مسلمة، هذا ديني الذي أعتز به».

الغرب لا يقبل حتى المسلمات المتحررات

وتتعرض شتريتر إلى قصة صديقة تركية، من عائلة برجوازية، قررت العيش في الغرب لاتفاق مفاهيمها معه، ولإيمانها بالكثير مما يدعو إليه الغرب، فهي ترتدي أحدث الأزياء الغربية، بدون حجاب، الذي ترفضه وتعتبره علامة على عدم التحرر، وترقب بحذر بالغ انتشار الحجاب في بلادها، ودليلاً على تفشى الأصولية الإسلامية في تركيا، وترى أن مصطفى كمال أتاتورك هو محرر النساء والمجتمع التركي بأكمله، وترى أن القضاء على الخلافة الإسلامية في عام 1924م، كان خطوة على طريق التقدم، وترى أن قوة العسكر في تركيا هي ضمانة وحماية للديمقراطية، وترفض النظرة السلبية في الغرب لتدخل العسكر في الحياة السياسية في تركيا.

وهي تعتقد أن أئمة المساجد يمارسون تأثيرًا سلبيًا على الفتيات المسلمات حين يقنعوهن بارتداء الحجاب، وتحذر الفتيات من أن ارتدائهن للحجاب، سيحول دون حصولهن على أماكن للتدريب في الشركات، ولا تعتقد أن ارتداء الحجاب يمكن أن يكون نابعًا عن قناعة من الفتيات، بل هو دائمًا ناجم عن ضغوط يمارسها الأهل على فتياتهن، وتعتبر أنه من الطبيعي أن يرفض صاحب العمل الفتاة المسلمة المحجبة، لأنها خالفت طباع هذا المجتمع.

إلا أن الطريف أن هذا المجتمع الذي تدين له بالولاء، وتسعى لإرضائه بكل الوسائل، لا يقبلها، بل يعتبرها هذه التركية الغريبة عليه، وهو الأمر الذي يجعلها تشعر بالمرارة والأسى، وتتساءل لماذا لا يقبل المجتمع الذي تتبنى كافة آرائه، أن يعتبرها فردًا من أفراده.

وتتوصل شتريتر إلى أن التركيات والعربيات لا يؤمنّ بالتعددية، فالحياة عندهن أبيض أو أسود، إما أن ترتدي الحجاب وتقبل من ترتديه فقط، أو ترفض الحجاب، وترفض كل من ترتديه، على عكس الألمانيات المسلمات، اللاتي توافقن على موقف الآخر، فمن ترتدي الحجاب، تبدي تسامحًا مع من لا ترتديه، ومن لا ترديه، توافق على من ترتديه.

تذكر شتريتر أن امرأة ألمانية صرحت في جلسة للنسوة في إحدى كنائس بون، أنها لم تعد تستطيع أن تتحمل، وتقول: «إن داخلي كراهية لا حدود لها، عندما أرى هذه التركية التي تعمل في صيدليتي، ومهما بشَّت هذه التركية المحجبة في وجهي، فإنني لا أشعر بغير الكراهية، وأود أن أنزع الحجاب من فوق رأسها».

وتشير شتريتر بغضب إلى أن الألمان الرافضين للحجاب، يبررون ذلك دومًا بأن المسلمات المحجبات، لم يندمجن بعد في المجتمع الألماني، ويكررون الرأي القائل بأن «من يهاجر إلى بلد، عليه أن يسير على نمط حياة أهل هذه البلد، أو فليرحل»، ويستشعر المسلمون ضغوطًا كبيرة عليهم، لكي ينسلخوا من دينهم وعاداتهم وتقاليدهم، ببساطة أن يذوبوا في المجتمع، فيكون رد الفعل لدى المسلمين الشعور برفض المجتمع الألماني لهم، فيبحثون عمن يشعرون لديه بالأخوة والدفء، أي لدى الجالية المسلمة، وعندها يتهمهم الألمان من جديد بأنهم منعزلون متقوقعون، وتتباعد المسافة بين المجتمع الألماني ومسلمي المجتمع الألماني.

سلوى تعلم الغرب سماحة الإسلام

تعرض شتريتر على القارئ نموذجًا فريدا، لشابة في العشرينيات من عمرها، ورغم صغر سنها لكنها تلعب دورًا كبيرًا في جلسات الحوار، وهي مسلمة ترتدي الحجاب والملابس الفضفاضة، ذات تأثير قوي وقدرة فائقة على الحوار، وعندما تتحدث في ندوة، لا يمكن أن يجول بخاطر المستمع إليها أنها امرأة مسلمة مقهورة مجبرة على ارتداء الحجاب، منكسرة من قهر أبيها أو أخيها، إذا تحدثت استخدمت مفردات يفهمها الشباب وتمس مشاعرهم بسرعة، وهي تترأس حركة شبابية مسلمة، هدفها تحمل المسؤولية عن المجتمع، كل المجتمع الذي تعيش فيه، بجميع أطيافه المسلمة وغير المسلمة، لتبين أن الإسلام ليس دينًا تقتصر مهمته على تحقيق الخير لأتباعه، بل هو جاء لخير البشرية جمعاء، ومن المشروعات التي تقوم بها هذه الجماعة، مبادرة «أسطورة الشتاء»، وهي فكرة تقوم على قيام المسلمين بإعداد الأطعمة وتوزيعها على المحتاجين الألمان الذين لا مأوى لهم، حتى ولو كانوا من مدمني المخدرات والخمر، والذين اعتقدوا أن المسلمين إنما يفعلون ذلك للتبشير بهذا الدين، أي يطعمون أفواههم ويسدون رمقهم، ليقولوا لهم هيا أسلموا، كما يفعل المبشرون المسيحيون في أفريقيا.

وتنقل عن سلوى قولها إنها ترى أن العمل الاجتماعي هو جزء من العقيدة الإسلامية، وكذلك الدراسة والتعلم، وتطالب بفهم الإسلام وغيره من الأديان، حتى يتمكن الشخص من فهم الآخرين، وأن يمارس التسامح والنظر للبشر بنظرة إنسانية شمولية تجمعهم وتوحدهم، وليس انطلاقًا من الفروق بينهم.

وتولي سلوى اهتمامًا خاصًا بالشباب المسلم الذي يواجه العقبات الكثيرة في طريقه في هذا المجتمع، وترفض أن تنزلق أرجلهم في هاوية هذا المجتمع، كما ترفض أن يرتضوا بدور الضحية المظلومة التي تكتفي بندب حظها، وإلقاء اللوم على الآخرين، وتطالبهم بأن يبحثوا عن أشخاص يمكن أن يتعاونوا معهم لتحقيق إنجاز ما، وترفع شعار: «أنت قادر على العطاء»، ولا تسعى سلوى للهيمنة وتحريك هؤلاء الشباب من غرفة التحكم المركزية، بل تنتظر منهم القدرة على الإبداع بأنفسهم والتلقائية.

وترى شتريتر في سلوى وأمثالها نموذجا للشباب المسلم الذي لم تتمكن الصعوبات والعوائق والظلم الذي يقع عليهم والاتهامات الموجهة إلى دينهم، من فرض العزلة عن المجتمع عليهم، والتباكي على أنفسهم، بل تتحول كل هذه الطاقة الناجمة عن الغضب إلى طاقة بناءة، يصبحون أكثر اعتزازًا بدينهم، ويسعون إلى بذل المزيد والمزيد، من أجل التغلب على العقبات، ورغم ما يقع عليهم من ظلم فإنهم يؤمنون بالتعددية والديمقراطية والمساواة بين الناس، حتى ولو كان الواقع يخالف هذه المثاليات، ورغم أنهم يعتبرون أنفسهم جزءا من كل، إلا أنهم يحرصون على التأكيد على أنه جزء مسلم في مجتمع متعدد الديانات.

«بالله عليكن، لا ترحلن من ألمانيا!»

في ختام كتابها تقص شتريتر ما حدث في جلسة للنساء من مختلف الأديان والدول، وكيف ذكرت إحداهن أنها ستعود مع زوجها وأولادها إلى العراق، بعد 25 عامًا من الغربة في ألمانيا، وبعد الصدمة التي أصابت الحاضرات، كيف تهاجر أسرة تتوفر لها كل الأسباب الراحة المادية في الغرب، لتعود إلى العراق برغم كل ما فيها من أهوال؟ وبعد التعليقات المستنكرة من الجميع، بدأت النسوة الأخريات في الحديث عن حلم العودة الذي يراودهن كثيرًا.

وفكرت شتريتر لحظة، وهي ترى المسلمات يفكرن جديا في العودة إلى بلادهن الإسلامية، فاعتراها حزن عميق، وتصورت للحظة شكل ألمانيا إذا رحل المسلمون عنها، وغاب الحجاب من المدن الألمانية، كيف ستصبح صورة ألمانيا بدون عرب وإيرانيين وأتراك وأفغان، وحين يصبح كل تلاميذ المدارس ألمان فقط، وكل من في المتاجر ألمان، تجار وزبائن وعمال، وتتخيل انتهاء الحوار بين الألمان والمسلمين، وأنه لن يعود هناك من تسأله عن الإسلام، وعن العادات والتقاليد في المجتمعات الإسلامية.

وتتوصل شتريتر إلى أن الرجال والنساء والأطفال الأجانب يثرون المجتمع الألماني، ويضفون عليه من تجاربهم ودينهم وثقافتهم وحكاياتهم، وتؤكد أن التلاقي بين الثقافات يحقق مكاسب لكافة الأطراف، وأن التعرف على الآخر يوفر إمكانية نشأة عنصر جديد بمكونات من الطرفين، يشارك بعضهم بعضا السعادة والحزن، ويتقاسموا الأصدقاء والعيش سويا.

هذا الكتاب

من يقرأ صفحات الكتاب البالغ عددها 120 صفحة من القطع الصغير، يشعر بأن كل حرف ينطق بالصدق والمودة تجاه المسلمين، ويكفي أن الكاتبة القسيسة ذكرت أن أمها قرأت الكتاب، ثم سألتها عما إذا كانت قد اعتنقت الإسلام أم أنها في الطريق إلى ذلك، فردت شتريتر بأنها مسيحية وستبقى كذلك، لكنها ترى المسيحية بصورة تختلف عن الكثيرين.

لقد تعرضت الكاتبة لانتقادات لاذعة من أتباع دينها، الذين يرون أنها تبالغ في تفهم المسلمين ورغباتهم، والدفاع عنهم، وأنها تفهم التسامح بصورة خاطئة، بعد إزالتها لكل الخطوط الحمراء في تبني قضايا المسلمين، وتجاهل متطلبات مجتمع الأغلبية التي تدين بالمسيحية.

وإذا كان المسيحي المنصف، الدكتور نظمي لوقا الذي أفرد للحديث عن نبي الإسلام صلى الله عليه السلام ودافع عنه في كتاب تلو الكتاب، قد وجد من المسلمين من يتهمه بسوء النية، ويحذر المسلمين من خطره، فإن شتريتر لا تنتظر من المسلمين أي مقابل، غير أن يحسنوا الظن، وينظروا إليها من خلال ما تقوم به، وتتحدث به، لا من خلال تبني نظرية المؤامرة، أو رفض شخصها لمجرد أنها مسيحية.

شتريتر إحدى المنصفات للمسلمين في الغرب، في خضم طابور لا أول له ولا آخر من الكارهين والحاقدين والمبغضين للمسلمين، فلنرد لها التحية بمثلها، أليس جزاء الإحسان هو الإحسان؟ 91

٪ من الألمان أشاروا إلى أنهم حين يسمعون كلمة (إسلام)، يتبادر إلى ذهنهم ظلم المرأة، ويرتبط الإسلام لدى 83٪ منهم بالتطرف، ويؤيد 56٪ منهم منع بناء المساجد للمسلمين، ويريد 29٪ منهم منع هجرة المسلمين إلى أوروبا

تعرضت الكاتبة لانتقادات لاذعة من أتباع دينها، الذين يرون أنها تبالغ في تفهم المسلمين ورغباتهم، والدفاع عنهم، وأنها تفهم التسامح بصورة خاطئة  

 
 

عن شبكة أمان *


حقوق الطبع والنشر2007   © لمجلة نور حواء .جميع الحقوق محفوظة .

Copyrights © 2007 evelight.net , All rights reserved.

عن المجلة      إعلن معنا      راسلنا